القرطبي
98
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به . وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خللوا بين الأصابع لا تخللها النار ) وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل ، فثبت ما قلناه . والله الموفق . السادسة عشرة - ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء ، وهي اتباع المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه ، ولا فصل بفعل ليس منه ، واختلف العلماء في ذلك ، فقال ابن أبي سلمة وابن وهب : ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان ، فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم يجزه . وقال ابن عبد الحكم : يجزئه ناسيا ومتعمدا . وقال مالك في " المدونة " وكتاب محمد : إن الموالاة ساقطة ، وبه قال الشافعي . وقال مالك وابن القاسم : إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا ، وقال مالك في رواية ابن حبيب : يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح ، فهذه خمسة أقوال ابتنيت ( 1 ) على أصلين : الأول - أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق ، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة . والثاني - أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة ، وهذا أصح . والله أعلم . السابعة عشرة - وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه ، فقال الأبهري : الترتيب سنة ، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ ، واختلف في العامد فقيل : يجزئ ويرتب في المستقبل . وقال أبو بكر القاضي وغيره : لا يجزئ لأنه عابث ، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه ، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحق وأبو ثور ، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره ، وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ، ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء . وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن " الواو " لا توجب التعقيب ولا تعطى رتبة ، وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي ، قال الكيا الطبري ظاهر قوله تعالى : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " يقتضي الاجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي ،
--> ( 1 ) في ج وز : أثبتت .